هشام جعيط
42
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
الهجوم الشامل . وقد ذكر سيف ما يلي : « كان يكون أول القتال في كل أيامها المطاردة » « 1 » . ويبدو أن المطاردات كانت تتمادى على شكل اشتباكات عنيفة ، لكن باستثناء اليوم الأخير ، لم يكن يعني الأمر سوى مواجهات ظرفية ، ولم يشن الهجوم العام إلا في النهاية . ولنتعمق في الأمور عن كثب . لقد دامت المعركة أربعة أيام وليلة : يوم أرماث ، ويوم أغواث ، ويوم عماس ، وليلة الهرير ، ويوم القادسية . أ ) في اليوم الأول ، واجهت القبائل صدام الفيلة ، وكانت على التوالي بجيلة ، ثم أسد ، ثم تميم « 2 » . وقد تمثل المشكل عند العرب من وجوب التصدّي للصدام ، والتنسيق بين نشاط القبائل ، وإبطال تأثير الفيلة . وقد تحقق لهم ذلك حين لجأوا إلى تجريدها ، وتمزيق أغطيتها الفاخرة وسيورها ، وتحطيم المحامل . كان يوما شديدا على العرب فقدوا فيه 2500 من القتلى وأشرفوا على الكارثة مرارا ، لكن الغموض الذي اكتنف تفاصيل العملية لا يزول : فمن جهة ، يروى أن الجهد الفارسي تركز على نقطة محدّدة من المكان الذي عسكرت فيه بجيلة ، وأنه وجب أن تتدخل أسد وتميم إنقاذا للوضع . ومن جهة أخرى ، تتحدث الرواية عن مرحلة الطراد ، مرحلة تشابكت فيها الكتائب وعن تكبيرة رابعة لسعد تأهبا للهجوم العام أو الزحف ، لكن لم يتم هذا الهجوم إلا في اليوم الرابع : فكأن الرواية مترددة في تجميع الأحداث في يوم واحد أو في تمييعها « 3 » . ب ) يطرح يوم أغواث مشكلة المساعدات القادمة من الشام . هل كانت مهمة وحاسمة أم كانت بمثابة الدعم النفساني أكثر منها مساعدة حقيقية ؟ تحدث خبر عن إرسال 6000 رجل من أهل العراق ( كانوا من المقاتلين المتمرسين الذين خرجوا مع خالد ) من
--> ( 1 ) المرجع نفسه ، ص 545 . ( 2 ) نتبين من خلال الرواية شحناء ما بين القبائل . وذلك دليل على أن دور القادة من رؤساء القبائل كان مهمّا على الرغم من تهميشهم على الصعيد المؤسّساتي : راجع الطبري ، ج 3 ، ص 529 - 540 . وقد قتل 500 رجل من أسد . ( 3 ) وعلى هذا ، يسترد كل قيمته نقد كايتاني لما تضمنته رواية سيف من تناقضات . بدأ سيف يتحدث عن توصيات سعد الذي حدد تكبيراته تماشيا مع مراحل القتال ، فخصص التكبيرة الرابعة للهجوم العام ، لكن هذه الخطة العامة تتنافر ومدة القتال الذي استمر أربعة أيام : الطبري ، ج 3 ، ص 535 . ثم تضطرب الرواية في الأيام التالية وكأن التكبيرة الأخيرة بقيت معلقة . وفي خصوص يوم عماس يعود الخبر إلى المزج بين عناصر سبقت روايتها وبين قضية سعد ، ص 559 وما بعدها ، كأن الأمر يتعلق بإجمال للعملية كلها ، أقحم في اليوم الثالث وكأن المقصود منه وصف يوم عماس ، أو أن سيفا رتب استخدام رواية مستقلة تصف مجمل الدراما في يوم واحد .